إن الاضطهاد الذي اندلع في أورشليم بعد موت إستفانوس اضطر كثيرًا من المؤمنين إلى مغادرة المدينة هربًا من العنف الموجّه ضد الكنيسة (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 8.1-4). غير أن هذا التشتت لم يضع حدًّا لشهادتهم. بل على العكس، فحيثما ذهبوا كانوا يعلنون كلمة الله.
وهكذا يبيّن لوقا أن الاضطهاد يصير، على سبيل المفارقة، إحدى أدوات تحقيق القصد الإلهي. فمنذ بداية السفر، كان يسوع قد قال لتلاميذه: «وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض» (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 1.8). وحتى ذلك الحين، كانت الجماعة المسيحية قد ظلت متمركزة أساسًا في أورشليم. أما الأحداث التي أثارها موت إستفانوس فتفتح الآن مرحلة جديدة من تاريخ الكنيسة.
ويوافق هذا التطور أيضًا التعليم الذي أعطاه يسوع لتلاميذه حين حذّرهم من أن الاضطهاد سيقودهم إلى مواصلة خدمتهم في مكان آخر (إِنْجِيلُ مَتَّى 10.23). وما كان المؤمنون ربما لن يقدموا عليه من تلقاء أنفسهم يصير هكذا فرصة لتوسّع إرسالي موافق لخطة الله.
2- الله يحوّل الاضطهاد إلى أداة لعمله
للوهلة الأولى، كان موت إستفانوس يبدو نصرًا لخصوم المسيحية. غير أن لوقا يبيّن عكس ذلك تمامًا. فبدل أن يمحو الكنيسة، يعين هذا الاضطهاد على نموها. فالمؤمنون يغادرون أورشليم، لكنهم يحملون معهم رسالة الإنجيل.
وهذه الطريقة في العمل تذكّر بمبدأ نلحظه في الكتاب المقدس كله. فقد استطاع يوسف أن يقول لإخوته: «أنتم قصدتم لي شرًّا، أما الله فقصد به خيرًا» (اَلتَّكْوِينُ 50.20). وكذلك سيؤكد الرسول بولس فيما بعد أن «كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله» (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ 8.28). فالله، دون أن يكون صانع الشر، يظل صاحب السيادة ويوجّه الظروف ليحقق مقاصده.
وهكذا يبرز لوقا حقيقة ستتكرر باستمرار في سفر الأعمال: لا تستطيع أي معارضة بشرية أن تعوق تقدم الإنجيل.
3- السامرة: مرحلة حاسمة في توسّع الكنيسة
إن وصول الإنجيل إلى السامرة يشكّل منعطفًا كبيرًا في سرد لوقا. فمنذ قرون عدة، كانت العلاقات بين اليهود و متدهورة جدًا. وكان الشعبان يحملان خلافات تاريخية ودينية وثقافية، حتى إن يوحنا يوضح: «لأن اليهود لا يعاملون » (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 4.9).
ومع ذلك لم تكن هذه المنطقة مجهولة عند يسوع. فخلال حديثه مع المرأة السامرية، كان قد مهّد لهذه الإرسالية المقبلة (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 4.5-42). وبعد اهتداء كثير من أهل سوخار، أعلن لتلاميذه أن حصادًا روحيًّا ينتظرهم بالفعل (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 4.35-38).
والتباين لافت جدًا مع حادثة أقدم. فحين رفض استقبال يسوع، سأل يعقوب ويوحنا هل ينبغي أن تنزل نار من السماء عليهم (إِنْجِيلُ لُوقَا 9.51-56). وبعد سنوات قليلة، لم تعد نار دينونة هي التي تبلغ السامرة، بل قوة الإنجيل.
4- فيلبس، أول مبشّر في الكنيسة
يسلّط لوقا الضوء الآن على شخصية جديدة: فيلبس. فبعد أن اختير قبل أشهر قليلة من بين السبعة ليتولى الخدمة المادية للجماعة (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 6.2-6)، يظهر الآن كارزًا بارزًا بالإنجيل.
وسيسميه لوقا فيما بعد صراحةً «فيلبس المبشّر» (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 21.8)، فيجعل منه أول رجل يُمنح رسميًّا هذا اللقب في العهد الجديد.
وخدمته تبيّن أن إعلان الإنجيل لم يكن مقصورًا على الرسل وحدهم. فالله يقيم تدريجيًّا خدامًا جددًا ليواصلوا العمل الذي بدأ في أورشليم. ويشهد هذا التطور لنمو الكنيسة الناشئة ونضجها.
5- المعجزات تؤيد كرازة الإنجيل
وكما كانت خدمة الرسل، فإن خدمة فيلبس يصحبها كثير من المعجزات والشفاءات وحالات التحرير (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 8.6-7). وهذه المظاهر الخارقة ليست غاية في ذاتها قط. فهي تصدّق الرسالة المعلَنة وتقود الجموع إلى الإصغاء إلى كرازة الإنجيل.
وتذكّر هذه الأحداث بوعد يسوع بأن المؤمنين سيصنعون هم أيضًا أعمالًا قوية باسمه (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 14.12). وفي سفر الأعمال، تخدم المعجزات دائمًا في تأكيد صدق الشهادة الرسولية (اَلرِّسَالَةُ إِلَى ٱلْعِبْرَانِيِّينَ 2.3-4).
6- فرح عظيم يحل محل البغضاء
بينما تتسم أورشليم الآن بالعنف والخوف والاضطهاد، تصير السامرة مسرحًا لتحوّل روحي عميق. ويختم لوقا هذا السرد بقوله ببساطة: «وكان فرح عظيم في تلك المدينة» (أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 8.8).
وهذا الفرح ليس مجرد انفعال عابر. إنه أحد مظاهر عمل الروح القدس (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ غَلَاطِيَّةَ 5.22) ويصاحب عادةً قبول الإنجيل (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ رُومِيَةَ 14.17). فحيث كانت السلطات الدينية تسعى إلى خنق المسيحية، يُنشئ الله جماعة مفعمة بالفرح.
7- نصر ظاهري يصير انتصارًا
من وجهة النظر البشرية، كان موت إستفانوس يوحي بأن المسيحية تلقّت للتو هزيمة حاسمة. ومع ذلك يبيّن لوقا أن هذا النصر الظاهري لخصوم الإنجيل يشكّل في الواقع بداية توسّع لا سابق له.
إن تشتّت المؤمنين يفتح الطريق لتبشير أراضٍ جديدة ويمهّد لإرساليات بطرس ثم بولس المقبلة. فالكنيسة تكفّ تدريجيًّا عن أن تكون جماعة متمركزة أساسًا حول أورشليم لتصير حركة مدعوة إلى بلوغ جميع الأمم.
Cette progression confirme la promesse du Christ : « Je bâtirai mon Église, et les portes du séjour des morts ne prévaudront point contre elle » (إِنْجِيلُ مَتَّى 16.18). Plus tard, emprisonné à , Paul résumera cette même conviction en écrivant : « La parole de Dieu n'est pas liée » (رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ ٱلثَّانِيةُ إِلَى تِيمُوثَاوُسَ 2.9).
؟
؟
؟
؟
؟