PER313

المسيح يسوع يغسل أرجل تلاميذه

تحلّل هذه المقالة غسل يسوع لأرجل تلاميذه، وهو عمل فريد رواه يوحنا، يرمز إلى انقلاب القيم البشرية ويجسّد رسالة يسوع المحورية: أن نخدم بدافع المحبة. وهذا الحدث، الذي جرى في أورشليم أثناء عشاء الفصح الأخير، يكشف لتلاميذه رسالة يسوع الحقيقية إذ يستبق صلبه.

29 دقيقة يسوع غسل الأرجل خادم 42 آية 9 أسفار

للاطلاع

النصوص الكتابية

متى
إِنْجِيلُ مَتَّى (ترجمة فان دايك) غير مذكور في السفر
مرقس
إِنْجِيلُ مَرْقُسَ (ترجمة فان دايك) غير مذكور في السفر
لوقا
إِنْجِيلُ لُوقَا (ترجمة فان دايك) غير مذكور في السفر
يوحنا
إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.4-11 (ترجمة فان دايك)

قَامَ عَنِ ٱلْعَشَاءِ، وَخَلَعَ ثِيَابَهُ، وَأَخَذَ مِنْشَفَةً وَٱتَّزَرَ بِهَا،

ثُمَّ صَبَّ مَاءً فِي مِغْسَلٍ، وَٱبْتَدَأَ يَغْسِلُ أَرْجُلَ ٱلتَّلَامِيذِ وَيَمْسَحُهَا بِٱلْمِنْشَفَةِ ٱلَّتِي كَانَ مُتَّزِرًا بِهَا.

فَجَاءَ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ. فَقَالَ لَهُ ذَاكَ: «يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ!».

أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ ٱلْآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلَكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ».

قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!». أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ».

قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي».

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «ٱلَّذِي قَدِ ٱغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ، بَلْ هُوَ طَاهِرٌ كُلُّهُ. وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ».

لِأَنَّهُ عَرَفَ مُسَلِّمَهُ، لِذَلِكَ قَالَ: «لَسْتُمْ كُلُّكُمْ طَاهِرِينَ».

التفاصيل التقنية

السنة 33

المكان: مدينة أورشليم، بيت مريم أم يوحنا الملقّب بمرقس

التاريخ: يوم الخميس 31 مارس من سنة 33، ليلًا

منهج العمل: نواصل مع لوقا

ملاحظة حول منهج العمل: لوقا هو الوحيد الذي سجّل هذا الخلاف

خريطة أورشليم ومنطقتها
رسم بياني بالأعمدة ليوم الخميس

التلاميذ يتنازعون على المقام الأول.

تفاصيل زمنية، بحسب استنتاجاتنا:

_3 البيت هو، بحسب رأينا، بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس. أَعْمَالُ ٱلرُّسُلِ 12.12.

_4 تبدأ وليمة الفصح مساء الخميس، بعد الساعة 18. وهو بالفعل يوم الجمعة عند اليهود (إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 14.17، إِنْجِيلُ مَتَّى 26.20، إِنْجِيلُ لُوقَا 22.14-18). فهو إذن ليس السيدر الرسمي الذي سيُقام مساء الجمعة إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 18.28.

يمكنك الاطلاع على هذا التسلسل الزمني كاملًا في الدراسة ANN026 : ساعة الصلب.

تعليق:

1- عمل فريد يرويه إنجيل يوحنا

من بين الأناجيل الأربعة، يروي يوحنا وحده غسل أرجل التلاميذ (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.1-17). وبينما تركّز الأناجيل الإزائية بالدرجة الأولى على تأسيس العشاء الرباني (إِنْجِيلُ مَتَّى 26.26-29 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 14.22-25 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 22.19-20)، يختار يوحنا أن يروي عملًا ذا بُعد لاهوتي استثنائي.

أثناء العشاء، يقوم يسوع، ويخلع رداءه، ويأخذ منشفة ويتّزر بها، ثم يصبّ ماءً في مرحضة ويبدأ بغسل أرجل تلاميذه (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.4-5).

في العالم اليهودي في القرن الأول، كان غسل الأرجل عمل ضيافة اقتضته الأسفار على طرق مغبرّة. وكان يقوم به عادةً عبد أو خادم، أو شخص أدنى مقامًا في الأسر الأكثر تواضعًا (اَلتَّكْوِينُ 18.4 ؛ اَلتَّكْوِينُ 19.2 ؛ إِنْجِيلُ لُوقَا 7.44).

ولذلك فإن قيام المعلّم نفسه بهذه الخدمة يبدو انقلابًا كاملًا للقيم البشرية.

2- المعلّم يصير خادمًا

بهذا العمل، لا يقدّم يسوع درسًا في التواضع فحسب.

بل يكشف طبيعة رسالته نفسها.

إن الذي يعترف به التلاميذ مسيحًا ورَبًّا يقبل طوعًا مكان الخادم.

وهذا الموقف يجسّد تمامًا تعليمه هو:

إِنْجِيلُ مَتَّى 23.11 (ترجمة فان دايك) :
وَأَكْبَرُكُمْ يَكُونُ خَادِمًا لَكُمْ.

كما أنه يحقّق الكلمات التي قالها من قبل:

«ابْنُ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ» (إِنْجِيلُ مَتَّى 20.28 ؛ إِنْجِيلُ مَرْقُسَ 10.45).

وهكذا يصير غسل الأرجل استباقًا مرئيًّا لأعظم عمل خدمة سيتمّمه يسوع بعد ساعات قليلة ببذل حياته على الصليب.

3- عدم فهم بطرس

كما يحدث كثيرًا في الأناجيل، يعبّر سمعان بطرس تلقائيًّا عمّا يفكّر فيه عدّة تلاميذ دون أن يجرؤوا على قوله.

وإذ صُدم بشدّة، يرفض أن يقوم معلّمه نحوه بعمل مقصور على الخدّام:

إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.6-8 (ترجمة فان دايك) :
فَجَاءَ إِلَى سِمْعَانَ بُطْرُسَ. فَقَالَ لَهُ ذَاكَ: «يَا سَيِّدُ، أَنْتَ تَغْسِلُ رِجْلَيَّ!».أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ ٱلْآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلَكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ».قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا!». أَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ».

ولا يدلّ رفضه على نقص في المحبة، بل على فهم ما زال ناقصًا لرسالة المسيح.

ففي نظره، لا يمكن للمسيح أن يتّضع على هذا النحو.

ومع ذلك يجيبه يسوع بأن المعنى العميق لهذا العمل لن يُدرَك إدراكًا كاملًا إلا بعد موته وقيامته وعطيّة الروح القدس (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.7 ؛ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 16.12-13).

4- «إن كنت لا أغسلك...»

إن جواب يسوع هو القلب اللاهوتي للرواية:

«إِنْ كُنْتُ لَا أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.8).

وهنا يتجاوز غسل الأرجل مجرّد عمل الضيافة.

فهو يصير رمزًا لعمل التطهير الذي لا يقدر عليه إلا المسيح.

لا يستطيع الإنسان أن يدخل في شركة مع الله بجدارته الخاصة.

بل يجب أن يتطهّر بعمل ابن الله.

وسيجد هذا التطهير تحقيقه في ذبيحة الصليب، حيث سيسفك يسوع دمه لمغفرة الخطايا (إِنْجِيلُ مَتَّى 26.28 ؛ رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ 1.7 ؛ رِسَالَةُ يُوحَنَّا ٱلرَّسُولِ ٱلْأُولَى 1.7).

5- الاستحمام وغسل الأرجل

ووفاءً لطبعه العفوي، يغيّر بطرس موقفه في الحال:

إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.9 (ترجمة فان دايك) :
قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي».

فيجيبه يسوع:

«الَّذِي قَدِ اغْتَسَلَ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَّا إِلَى غَسْلِ رِجْلَيْهِ» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.10).

يستخدم النص اليوناني هنا فعلين مختلفين.

الأول (louō) يدلّ على استحمام كامل.

والثاني (niptō) يشير إلى غسل جزء من الجسد، وهو هنا الرجلان.

ويُلقي هذا التمييز ضوءًا على معنى كلام يسوع.

فمن ينتمي إلى المسيح قد تطهّر كليًّا أمام الله.

غير أنه لم يتوقف عن العيش في عالم موسوم بالخطية.

وكما تتّسخ الأقدام أثناء المشي، يحتاج المؤمن باستمرار إلى العودة إلى الرب لكي تتجدّد شركته معه (رِسَالَةُ يُوحَنَّا ٱلرَّسُولِ ٱلْأُولَى 1.8-9).

فالنص لا يتناول إذًا فقدان الخلاص أو الحفاظ عليه، بل التطهير اليومي اللازم لحياة التلميذ.

6- يهوذا: طهارة ظاهرية فقط

ويضيف يسوع في الحال:

«أَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.10).

ويوضح يوحنا فورًا أن هذه الملاحظة تخصّ يهوذا الإسخريوطي (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.11).

لقد نال يهوذا ظاهريًّا الخدمة نفسها التي نالها سائر التلاميذ.

ومع ذلك يبقى قلبه مغلقًا.

ويبيّن هذا التوضيح أن التطهير الذي يرمز إليه غسل الأرجل لا ينتج عن طقس خارجي.

بل يفترض إيمانًا حقيقيًّا بيسوع المسيح.

وهكذا يقابل يوحنا بلطف بين واقعين: تطهير خارجي مرئي، والتطهير الداخلي الذي لا يقدر عليه إلا المسيح.

7- مثال لجميع التلاميذ

بعد أن أخذ ثيابه ثانية، يشرح يسوع نفسه المعنى العملي لعمله:

«لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالًا حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.15).

فالرب لا يؤسّس هنا طقسًا جديدًا يُراد به أن يحلّ محلّ الأسرار.

بل يدعو تلاميذه إلى تبنّي الموقف نفسه من الخدمة المتواضعة غير المنتظرة لمقابل.

فالعظمة في ملكوت الله لا تكمن في التسلّط، بل في خدمة الآخرين (إِنْجِيلُ لُوقَا 22.24-27).

ويمهّد هذا الدرس مباشرة للوصية الجديدة التي ستأتي بعد لحظات:

«أَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ» (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.34-35).

وهكذا تصير الخدمة التعبير العملي عن المحبة المسيحية.

8- غسل الأرجل يُنبئ بالصليب

وأخيرًا، لهذه الرواية بُعد كريستولوجي عميق.

فاتضاع يسوع الطوعي في وسط تلاميذه يُنبئ بالاتضاع الأعمق بكثير الذي سيتمّمه على الصليب.

فبخلع ردائه، وأخذ هيئة الخادم، ثم أخذ ثيابه ثانية (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.4 ؛ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.12)، يصف يوحنا حركة تذكّر بتلك التي شرحها الرسول بولس:

رِسَالَةُ بُولُسَ ٱلرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ فِيلِبِّي 2.6-8 (ترجمة فان دايك) :
ٱلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ ٱللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا لِلهِ.لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ.وَإِذْ وُجِدَ فِي ٱلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ، وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ، مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ.

فابن الله يتّضع طوعًا لكي يتمّم خلاص البشرية.

وهكذا يشكّل غسل الأرجل حيًّا لعمل المسيح الفدائي كله.

9- تدرّج أدبي لافت

يبني يوحنا هذه الرواية وفق تدرّج بالغ العناية.

فينتقل القارئ تباعًا:

  • من عمل يسوع الملموس (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.4-5)؛
  • إلى عدم فهم بطرس (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.6-9)؛
  • ثم إلى الشرح الروحي (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.10-11)؛
  • وأخيرًا إلى التطبيق على جميع التلاميذ (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.12-17).

ويقود هذا التدرّج من المرئي إلى غير المرئي، ومن الفعل إلى تفسيره، ثم من التعليم اللاهوتي إلى التطبيق العملي.

وهو من أجمل البُنى السردية في الإنجيل بحسب يوحنا.

10- التواضع يكشف مجد الابن

يلخّص غسل الأرجل اللاهوت اليوحناوي تلخيصًا رائعًا.

فالذي هو الرب والمعلّم (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.13) يختار بحرّية أن يصير خادمًا لتلاميذه.

وليس اتضاعه انتقاصًا من مجده، بل هو على العكس أكمل إظهار له.

فبخدمته خاصّته إلى حدّ الركوع أمامهم، يكشف يسوع الوجه الحقيقي لله: إله يحب ويطهّر ويبذل نفسه لخلاص البشر (إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 3.16-17 ؛ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا 13.1).

وهكذا لا يكون هذا العمل مجرّد مثال أخلاقي. إنه يُنبئ منذ الآن بالصليب، حيث ستتمّ أعظم خدمة قُدّمت للبشرية بذبيحة ابن الله الطوعية.

يمكنك الاطلاع على الملحق ANN128 : الخادم في الكتاب المقدس: من عبد الرب إلى غسل الأرجل.